أحمد مصطفى المراغي

14

تفسير المراغي

والمعنى : يريد اللّه بما شرعه لكم من الأحكام أن يبين لكم ما فيه مصالحكم ومنافعكم ، وأن يهديكم مناهج من تقدمكم من الأنبياء والصالحين ، لتقتفوا آثارهم وتسيروا سيرتهم ، فالشرائع والتكاليف وإن اختلفت باختلاف أحوال الاجتماع والأزمان كما قال « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » فهي متفقة في مراعاة المصالح العامة للبشر ، فروح الديانات جميعا توحيد اللّه وعبادته والخضوع له على صور مختلفة ، ومآل ذلك تزكية النفس بالأعمال التي تقوم بها وتهذيب الأخلاق لتبعد عن سيئ الأفعال والأقوال . ( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) أي ويريد أن يجعلكم بالعمل بتلك الأحكام تائبين راجعين عما كان قبلها من تلك الأنكحة الضارة التي كان فيها انحراف عن سنن الفطرة ، إذ كنتم تنكحون ما نكح آباؤكم ، وتقطعون أرحامكم ، ولا تلتفتون إلى المعاني السامية التي في الزوجية ، من تقوية روابط النسب وتجديد قرابة الصهر ، والسعادة التي تثلج قلوب الزوجين ، والمودة والرحمة اللتين تعمر بهما نفوسهما . ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) فبعلمه المحيط بما في الأكوان شرع لكم من الدين ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم ، وبحكمته لم يكلفكم بما يشق عليكم ، وبما فيه الأذى والضرر لكم وبها يتقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات . ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) أي إنه تعالى بما كلفكم به من تلك الشرائع يريد أن يطهّركم ويزكى نفوسكم فيتوب عليكم . ( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً ) متبعو الشهوات هم الفسقة الذين يدورون مع شهوات أنفسهم وينهمكون فيها ، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها ، فلا يبالون بما قطعوا من وشائج الأرحام ، ولا بما أزالوا من أواصر القرابة ، فليس مقصدهم إلا التمتع باللذة ، أما اللذين يفعلون ما يأمر به الدين فليس غرضهم إلا امتثال أوامره ، لا اتباع شهواتهم ، ولا الجري وراء لذاتهم . ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) فأباح لكم عند الضرورة نكاح الإماء قاله مجاهد